أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

198

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

اللّه » ، فنزل وجلس مع أصحاب الحديث ، ثم قرأ الكتاب ، ولذلك سمي الكتاب ( الموطأ ) ، فإن هارون قد تواطأ له ، فحمل إليه هارون بغلا ودابة وحمارا وخمسمائة دينار ، فقبل المال ورد البهائم ، ثم قال : ما كنت لأركب في مدينة ، نبي اللّه ملحود في ترابها ، ولم ير مالك راكبا بالمدينة قط . روي عن الشافعي ، أنه رأى على باب مالك : كراعا من أفراس خراسان وبغال مصر ، ما رأيت أحسن منه ، فقلت له : ما أحسنه ، فقال : هو هدية مني إليك يا أبا عبد اللّه ، قلت ، دع لنفسك منها دابة تركبها ، فقال : أنا أستحي من اللّه تعالى ، أن أطأ تربة فيها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، بحافر دابة . روي أن الرشيد سأل مالكا : هل لك دار ، فقال : لا ، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار ، وقال : اشتر بها دارا ، فأخذها ولم ينفقها ، فلما أراد الرشيد الشخوص إلى العراق ، قال لمالك : ينبغي أن تخرج معي ، فأني عزمت أن أحمل الناس على الموطأ ، كما حمل عثمان الناس على القرآن ، فقال : أما حمل الناس على الموطأ ، فليس إلى ذلك سبيل ، لأن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا ، فعند كل أهل مصر علم ، وقد قال رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم : « اختلاف أمتي رحمة » ؛ وأما الخروج معك ، فلا سبيل إليه ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « سيخرجون بعدي من المدينة لأجل الدنيا ، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون » ، وقال : « المدينة تنفي خبثها » ، وهذه دنانيركم كما هي ، ان شئتم فخذوها ، وإن شئتم فدعوها - يعني أنك إنما تكلفني مفارقة المدينة ، لما اصطنعته إليّ ، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ؛ فرحل الرشيد إلى مكة ، فأرسل إلى سفيان بن عيينة أن أحمل إليّ علمك ، فحمل إليه ، فلما قدم العراق ، كان الرشيد يقول : رحم اللّه مالكا ، تواطأنا له فانتفعنا بعلمه ، ورحم اللّه سفيان ، تواطأ لنا فلم ننتفع بعلمه . قيل : كان مالك كلما جلس مجلسا ، لا ينطق بشيء حتى يقول : سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ « 1 » ويروى أن سعيدا كلما

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية : 32 .